الشنقيطي
334
أضواء البيان
وأما استدلالهم بأن عمرو بن العاص قال لعمر لما احتلم : خذ ثوباً غير ثوبك ، فقال لو فعلت صارت سنة . فهو ظاهر السقوط أيضاً . لأن عمر بن الخطاب خاف أن يفعل شيئاً فيعتقد من لا علم عنده أنه إنما فعله لكونه سنة ، فامتنع من فعله لأجل هذا المحذور . مع أن المقلد يرى منع تقليد عمر رضي الله عنه . وأما استدلالهم بما ذكروه عن أُبي وغيره أنه قال : ما استبان لك فاعمل به ، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه ، فهو حجة عليهم أيضاً لا لهم . لأن قوله : ما استبان لك فاعمل به ، صريح في أن ما استبان من كتاب الله وسنة رسوله ، يجب العمل به ولا يجوز العدول عنه لقول أحد . وهذا نقيض ما عليه المقلدون ، فهم دائماً يستدلون على مذهبهم بما يناقضه . والأظهر أن مراد أُبي بن كعب بقوله : فكله إلى عالمه ، أي فكل علمه إلى الله . فمراده بما اشتبه المتشابه ، ومراده بعالمه الله . فهو يشير إلى قوله تعالى : * ( فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ) * . فالذين قالوا آمنا به كل من عند ربنا ، فقد وكلوا ما اشتبه عليهم إلى عالمه وهو الله . ويحتمل أن يكون مراد أبي بقوله : فكله إلى عالمه أي فكله إلى من هو أعلم به منك من العلماء . وهذا هو الذي فهمه ابن القيم في إعلام الموقعين من كلام أُبي . وعلى هذا الاحتمال فلا حجة فيه أيضاً للمقلدين لأن من خفي عليه شيء من العلم فوكله إلى من هو أعلم به منه ، فقد أصاب . ولا يلزم من ذلك الإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله بل هو عمل بالقرآن لقوله تعالى : * ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) * .